ابن تيميه

203

الرد على الأخنائي قاضي المالكية

فصل [ افتراء المعترض على المصنف ] قال المعترض : « لكن كم لصاحب هذه المقالة من مسائل خرق فيها الإجماع ، وفتاوى أباح فيها ما حرّم اللّه من الإبضاع ، وتعرّض لتنقيص الأنبياء ، وحطّ من مقادير الصحابة والأولياء ، فلقد تجرأ بما ادّعاه وقاله ، على تنقيص الأنبياء لا محالة ، فتعين مجاهدته والقيام عليه ، والقصد بسيف الشريعة المحمدية إليه ، وإقامة ما يجب بسبب مقالته نصرة للأنبياء والمرسلين ، ليكون عبرة للمعتبرين . وليرتدع به أمثاله من المتمرّدين . والحمد للّه رب العالمين » . آخر كلامه . والكلام على هذا من وجوه : أحدها : أن هذا ليس كلاما في المسألة العلمية التي وقع فيها النزاع ، ولا عينت مسألة أخرى حتى يتكلم فيها بما قاله العلماء ودل عليه الكتاب والسنة ، وإنما هو دعاوى مجردة على شخص معين . ومعلوم أن مثل هذا غير مقبول بالإجماع ، وقد قال النبي صلى اللّه عليه وسلّم في الحديث الصحيح : « لو يعطى الناس بدعواهم لادّعى قوم دماء قوم وأموالهم ، ولكن اليمين على المدّعى عليه » « 1 » . الوجه الثاني : أن يقال : ثم من المعلوم أنه ما من أهل ضلالة إلا وهم يدّعون على أهل الحق من جنس هذه الدعوى ، فاليهود يدّعون أن الرسول صلى اللّه عليه وسلّم وأمته أباحوا ما حرّمه اللّه كالعمل في السبت ، ومثل أكل كل ذي ظفر كالإبل والبط والإوز ، وكشحم الترائب والكليتين وغير ذلك ، والنصارى تقول : إنهم تنقّصوا المسيح والحواريين ، فإن الحواريين عندهم رسل اللّه ، وقد يفضّلونهم على إبراهيم وموسى ، ويقولون عن المسيح : إنه اللّه ، ويقولون : هو ابن اللّه ، ومن قال إنه عبد اللّه فقد سبّه وتنقّصه عندهم ، والطائفتان يحرّمون التّسري ، والنصارى يحرّمون الطلاق ، واليهود إذا تزوجت المطلقة حرّمت على المطلّق أبدا ، والنصارى قد يحرّمون التزوّج ببنات العم والعمة والخال والخالة ، ويحرمون أن يتزوّج الرجل أكثر من واحدة . فمحمد صلى اللّه عليه وسلّم وأمته عند الطائفتين قد أباحوا ما حرّمه اللّه من الإبضاع على

--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 4552 ) ومسلم ( 1711 ) .